رفيق العجم
563
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
ولكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا ؛ فإن الدنيا مزرعة الآخرة ، ولا يتمّ الدين إلّا بالدنيا . والملك والدين توأمان ؛ فالدين أصل والسلطان حارس ، وما لا أصل له فمهدوم ، وما لا حارس له فضائع ، ولا يتمّ الملك والضبط إلّا بالسلطان وطريق الضبط في فصل الحكومات بالفقه . ( ح 1 ، 28 ، 26 ) - إنّ أقرب ما يتكلّم الفقيه فيه من الأعمال التي هي أعمال الآخرة ثلاثة : الإسلام والصلاة والزكاة والحلال والحرام ؛ فإذا تأمّلت منتهى نظر الفقيه فيها علمت أنّه لا يجاوز حدود الدنيا إلى الآخرة ، وإذا عرفت هذا في هذه الثلاثة فهو في غيرها أظهر . أمّا الإسلام فيتكلّم الفقيه فيما يصحّ منه وفيما يفسد وفي شروطه وليس يلتفت فيه إلّا إلى اللسان . وأمّا القلب فخارج عن ولاية الفقيه لعزل رسول اللّه صلى اللّه وسلم أرباب السيوف والسلطنة عنه حيث قال : " هلّا شققت عن قلبه " ؟ . للذي قتل من تكلّم بكلمة الإسلام معتذرا بأنّه قال ذلك من خوف السيف ، بل يحكم الفقيه بصحّة الإسلام تحت ظلال السيوف ، مع أنّه يعلم أنّ السيف لم يكشف له عن نيّته ولم يدفع عن قلبه غشاوة الجهل والحيرة ، ولكنّه مثير على صاحب السيف فإنّ السيف ممتدّ إلى رقبته واليد ممتدّة إلى ماله ، وهذه الكلمة باللسان تعصم رقبته وماله ما دام له رقبة ومال ، وذلك في الدنيا ، ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلّا اللّه ، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم " . جعل أثر ذلك في الدم والمال . وأمّا الآخرة فلا تنفع فيها الأموال بل أنوار القلوب وأسرارها وإخلاصها ، وليس ذلك من الفقه ، وإن خاض الفقيه فيه كان كما لو خاض في الكلام والطب وكان خارجا عن فنّه . وأمّا الصلاة فالفقيه يفتي بالصحّة إذا أتى بصورة الأعمال مع ظاهر الشروط وإن كان غافلا في جميع صلاته من أوّلها إلى آخرها مشغولا بالتفكير في حساب معاملاته في السوق إلّا عند التكبير ، وهذه الصلاة لا تنفع في الآخرة ، كما أنّ القول باللسان في الإسلام لا ينفع ، ولكنّ الفقيه يفتي بالصحّة أي أن ما فعله حصل به امتثال صيغة الأمر وانقطع به عنه القتل والتعزيز . فأمّا الخشوع وإحضار القلب الذي هو عمل الآخرة وبه ينفع العمل الظاهر لا يتعرّض له الفقيه ولو تعرّض له لكان خارجا عن فنّه ، وأمّا الزكاة فالفقيه ينظر إلى ما يقطع به مطالبة السلطان حتى إنّه إذا امتنع عن أدائها فأخذها السلطان قهرا حكم بأنّه برئت ذمّته . ( ح 1 ، 29 ، 14 ) - حدّ الفقيه إلى حفظ القانون الذي به يكفّ السلطان شرّ بعض أهل العدوان عن بعض . ( ح 1 ، 34 ، 21 ) - درجة الفقيه والمتكلّم متقاربة لكن الحاجة إلى الفقيه أعمّ وإلى المتكلّم أشدّ وأشدّ ، ويحتاج إلى كلاهما لمصالح الدنيا ، أما الفقيه فلحفظ أحكام الاختصاصات بالمآكل والمناكح ، وأما المتكلّم فلدفع